صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

2063

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

فيكون قد نظر لنفسه وسعى في غرض نفسه ، وذلك ينقص عن كمال معنى الرّحمة . بل كمال الرّحمة أن يكون نظره إلى المرحوم لأجل المرحوم ، لا لأجل الاستراحة من ألم الرّقّة . أمّا الرّحمن فهو أخصّ من الرّحيم ، ولذلك لا يسمّى به غير اللّه ، عزّ وجلّ . والرّحيم قد يطلق على غيره ، ولذلك جمع اللّه ، عزّ وجلّ ، بينهما ، فقال : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ( الإسراء / 110 ) . فيلزم من هذا الوجه أن يفرّق بين معنى الاسمين فمن ثمّ يكون المفهوم من الرّحمن نوعا من الرّحمة هي أبعد من مقدورات العباد ، وهي ما يتعلّق بالسّعادة الأخرويّة . فالرّحمن هو العطوف على العباد ، بالإيجاد أوّلا ، وبالهداية إلى الإيمان وأسباب السّعادة ثانيا ، وبالإسعاد في الآخرة ثالثا ، والإنعام بالنّظر إلى وجهه الكريم رابعا . وقال ابن القيّم - رحمه اللّه تعالى - : الرّحمة سبب واصل بين اللّه - عزّ وجلّ - وبين عباده ، بها أرسل إليهم رسله ، وأنزل عليهم كتبه ، وبها هداهم ، وبها يسكنهم دار ثوابه ، وبها رزقهم وعافاهم وأنعم عليهم ، فبينهم وبينه سبب العبوديّة ، وبينه وبينهم سبب الرّحمة « 1 » . من معاني كلمة « الرحمة » في القرآن الكريم : وقد وردت الرّحمة في القرآن على أوجه منها : 1 - بمعنى أرزاق الإنسان والحيوان : لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ( الإسراء / 100 ) . 2 - بمعنى قطرات ماء الغيث ( المطر ) : وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ( الشورى / 28 ) . 3 - بمعنى العافية من الابتلاء والامتحان : أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ ( الزمر / 38 ) . 4 - بمعنى النّجاة من عذاب النّيران : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ * ( النور / 10 ، 14 ، 20 ، 21 ) . 5 - بمعنى النّصرة على أهل العدوان : أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً ( الأحزاب / 17 ) . 6 - بمعنى الألفة والمحبّة بين أهل الإيمان : وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ( الحديد / 27 ) . 7 - بمعنى ( وصف ) الكتاب المنزّل على موسى : وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً ( هود / 17 ) . 8 - بمعنى الجنّة دار السّلام والأمان : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( الأعراف / 56 ) . 9 - بمعنى صفة الرّحيم الرّحمن : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ( الأنعام / 54 ) « 2 » . الرحمة تقتضي الحزم لا الإهمال : قال ابن القيّم - رحمه اللّه تعالى - : إنّ الرّحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد ، وإن كرهتها نفسه وشقّت عليها . فهذه هي الرّحمة الحقيقيّة . فأرحم النّاس من شقّ عليك في إيصال مصالحك ودفع المضارّ عنك . فمن رحمة الأب بولده : أن يكرهه على التّأدّب بالعلم والعمل ، ويشقّ عليه في

--> ( 1 ) التفسير القيم ص 35 . ( 2 ) بصائر ذوي التمييز للفيروز آبادي ( 2 / 55 - 58 ) . باختصار .